الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

195

نفحات الولاية

بهذا الشأن ورد في الخطبة 34 حيث قال عليه السلام : « وأيم الله إنّي لأظن بكم أن لوحمس الوغى ، واستحر الموت ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس » . وفي الختام يكشف عن موقفه في هذه الأحداث فقال عليه السلام : « وإنّي لعلى بينة من ربّي ، ومنهاج من نبيي ، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا « 1 » » . فمن الطبيعي أن لا يكون هناك من شعور بالفشل أو الهزيمة لمن انطلق في حركته على هدي من الله ونور من رسوله صلى الله عليه وآله ، ولا يرى في كل ما يحدث سوى الغلبة والنصر وأداء التكليف والوظيفة . والعبارة « ألقطه لقطا » تعني جمع الأشياء من نقاط مختلفة ، الأمر الذي يحتاج إلى الدقة والفطنة ، ومراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة أنّي أجد في الاختيار من أجل التقدم في مسار الحق وانتخب أفضل السبل من أجل بلوغ الهدف . تأمّل : مقارنة بين أهل العراق والشام لقد أورد الإمام عليه السلام عبارة عجيبة في إطار مقارنته بين أهل العراق والشام لم يرمثيلها حيث قال : لوددت والله أنّ معاوية صرفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم . والحال كان ينبغي أن تكون القضية معكوسة ، فقد عقد القرآن الكريم مثل هذه المقارنة بين المؤمنين والكفار فقال : « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاتَيْنِ » « 2 » ، ترى لم انقلب هذا المعيار القرآني بشأن أهل العراق والشام ؟ يبدو أنّ التحليلات الدقيقة من شأنها ايقافنا على ما ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الشأن . فالكوفة منطقة حربية حديثة ، وأنّ أهلها الذين كانوا يمثلون القسم الأعظم من جيش الإمام عليه السلام قد قدموا هناك من عدّة مناطق وهم ينحدرون من مختلف القبائل بحيث لم يكن يسودهم الانسجام والانضباط المطلوب . فكان لكل واحد منهم أهدافه وطموحاته

--> ( 1 ) « لقط » أخذ الشيء من الأرض ، وتطلق « القطة » على الأشياء المفقودة ، لانّها عادة ماتلتقط من الأرض . ( 2 ) سورة الأنفال / 65 .